نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
115
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
عند اللّه جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء » وروي عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن عثمان قال : « بينما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أدلج ليلة من الليالي وصلى صلاة الصبح في دمنة الحي : يعني في مزبلة القبيلة : فرأى سخلة تتنفس في سلاها يعني تتحرك الدودة في جلدها ، فنظر إليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأمسك ناقته حتى قام القوم : فقال أترون أهل هذه الدمنة أغنياء عن سخلتهم هذه وقد هانت عليهم ؟ فقالوا بلى يا رسول اللّه ، قال والذي نفس محمد بيده للدنيا أهون على اللّه من هذه السخلة على أهلها » وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « الدنيا سجن المؤمن والقبر حصنه والجنة مأواه ، والدنيا جنة لكافر والقبر سجنه والنار مأواه » ( قال الفقيه ) رضي اللّه تعالى عنه : معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « الدنيا سجن لمؤمن » أن المؤمن وإن كان في النعمة والسعة فهو بجنب ما أنعم اللّه تعالى عليه في الجنة كأنه في السجن ، لأن المؤمن إذا حضرته الوفاة عرضت عليه الجنة فإذا نظر إلى ما أعدّ اللّه تعالى له من الكرامة عرف أنه كان في السجن ، وإن الكافر إذا حضرته الوفاة عرضت عليه النار فإذا نظر إلى ما أعدّ اللّه له من العقوبة عرف أنه كان في الجنة ، فمن كان عاقلا لا يكون مسرورا في السجن ولا يطلب الراحة ، فينبغي للعاقل أن ينظر إلى الدنيا ويتفكر فيما ضرب للدنيا من الأمثال ، لأن اللّه تعالى ضرب للدنيا مثلا ، والنبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم ضرب لها مثلا ، والحكماء ضربوا لها أمثالا ، والأشياء تصير واضحة بالأمثال قال اللّه تعالى عز من قائل : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا يعني مثل الدنيا في فنائها وزوالها كَماءٍ يعني كمطر أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ يعني أنزل اللّه تعالى من السماء ماء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ يعني اختلط الماء بنبات الأرض يعني أن الماء يدخل في الأرض فينبت النبات مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ من الحبوب وَالْأَنْعامُ يعني مما يأكل الأنعام من الكلأ والحشيش حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها يعني زينتها وحسنها وَازَّيَّنَتْ يعني تزينت الأرض بنباتها وحسنت بألوان من النبات وَظَنَّ أَهْلُها يعني حسب أهل الزرع والنبات أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها يعني على غلاتها وأنها ستتم لهم أَتاها أَمْرُنا يعني عذاب اللّه لَيْلًا أَوْ نَهاراً يعني بالليل أو بالنهار فَجَعَلْناها حَصِيداً يعني مستأصلا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ يعني صارت كأن لم تكن فكذلك الدنيا وما فيها لا تبقى كما لا يبقى هذا الزرع كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ يعني الأمثال لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في أمر الدنيا والآخرة أن الدنيا تفنى وأن الآخرة تبقى . وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن رجلا قدم عليه من أرض الشام ، فسأله عن أرضهم ، فأخبره عن سعة أرضهم وكثرة النعيم فيها . فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كيف تفعلون ؟ قال إنا نتخذ ألوانا من الطعام ونأكلها ، قال ثم تصير إلى ما ذا ؟ قال إلى ما تعلم يا رسول اللّه : يعني تصير بولا وغائطا ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : فكذلك مثل الدنيا » . وعن يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى أنه قال : الدنيا مزرعة رب العالمين ، والناس فيها زرعه والموت منجله وملك الموت حاصده ، والقبر مداسه والقيامة بيدره والجنة والنار بيت أهوائه : فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وذكر عن لقمان الحكيم أنه قال